عبد اللطيف البغدادي

18

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

عليه الهدايا من كل جانب ، وما فتئ القاضي الفاضل يؤكد الوصية عليه في كل خطاب يرسله إلى القاهرة . وكان البغدادي يقصد من زيارته إلى مصر لقاء ثلاثة - ياسين السيميائى ، وموسى بن ميمون ، وأبى القاسم الشارعى ، وقد ألفي ياسين مشعبذا كذابا ، يدعى تحضير الذهب المضروب متى شاء وبأية سكة شاء ، وأنه يجعل ماء النيل خيمة يجلس وأصحابه تحتها ، وأنه يعمل ما يعجز موسى بن عمران عن عمله . أما موسى بن ميمون فقد ألفاه فاضلا في الغاية ، إلا أنه غلب عليه حب الرياسة ، وخدمة أرباب الدنيا ، وقد وضع كتابا في الطب نقله عن جالينوس ، وكتابا أسماه ( كتاب الدلالة ) ، لعن فيه من يكتبه بغير العبرية ، وهو كتاب قال فيه البغدادي إنه يفسد أصول الشريعة . وأما أبو القاسم فقد لقيه صدفة في المسجد ، ولما علم من هو اعتنقه ، وقال : إياك أطلب ، ثم وجده كما « تشتهى الأنفس وتلذ الأعين » ، لا يطلب من الدنيا إلا الفضيلة . وقد اختلفا في حكمهما على الفارابي وعلى القدماء ، وكان البغدادي لا يؤمن بأحد من هؤلاء لظنه حينذاك أن الحكمة كلها حازها ابن سينا ، إلا أنه لان شيئا فشيئا بمعاشرته أبا القاسم . وبعد ما هادن صلاح الدين الفرنجة عاد البغدادي إلى القدس ، وكان هذا في سنة ( 1192 م ) ، فكتب له صلاح الدين بثلاثين دينارا كل شهر وعينه في ديوان الجامع بدمشق ، وأضاف أولاد صلاح الدين إلى هذا الراتب بما أطلقوه له ، حتى صار ما يتقاضاه كل شهر مائة دينار . ومن ثم عاد إلى دمشق وانكب على دراسة القدماء فزاد إعجابه بهم وقل تقديره لابن سينا ، واقتنع نهائيا ببطلان الكيمياء وقال فيها : « وتضاعف شكري للّه سبحانه على ذلك فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا والكيمياء » . وبعد وفاة صلاح الدين ( سنة 586 ه - 1193 م ) أقام عبد اللطيف بدمشق إلى أن جاء الملك العزيز من مصر ليحاصر هذه المدينة ، ولما لم ينجح الملك العزيز